حديث الشبلي
حديث الشبلي، هو نصٌّ حواريٌّ مَنسوبٌ إلى الإمام السجاد (ع)، يشرح فيه الإمامُ بعض الأسرار العرفانية للحج.
كان الشبلي صوفيًّا من أهل القرن الثالث والرابع الهجري، وقد اتجه إلى الزهد والعرفان بعد اعتزاله البلاط العباسي، وأصبح تلميذًا للجنيد البغدادي.
نُقلت هذه الرواية لأول مرة في القرن الثاني عشر الهجري في كتاب «التحفة السنية»، ولها شهرة واسعة، إلا أن البعض يشكك في أصالتها ويرى أن جذورها تعود إلى نصوص صوفية سابقة.
الشبلي
الشبلي (أبو بكر دلف بن جحدر)[١]، صوفيٌّ شهير من القرن الثالث والرابع الهجري، وُلد عام 247 هـ في سامراء.[٢] كان والده من أهالي قرية «شبلية» في أشروسنة الواقعة في ما وراء النهر، ولهذا عُرف بالشبلي.[٣] عمل الشبلي في بداية حياته في بلاط العباسيين وكان حاكمًا لدماوند،[٤] لكنه تاب وأصبح صوفيًّا،[٥] وكان من تلاميذ الجنيد البغدادي.[٦] تلقى العلم عند الجنيد نحو ست سنوات، ثم اشتهر بالزهد والعرفان.[٧] هناك اختلاف في مذهبه؛ فبعضهم عده مالكيًّا[٨] وآخرون اعتبروه شيعيًّا.[٩] توفي الشبلي عام 334 أو 335 هـ في بغداد.[١٠]
حديث الشبلي
حديث الشبلي هو رواية منسوبة إلى الإمام زين العابدين (ع)، يبين فيها الإمام في حوارٍ مع الشبلي أسرار ومعاني أعمال الحج الباطنية.
نُقلت هذه الرواية لأول مرة في القرن الثاني عشر الهجري في كتاب «التحفة السنية» للسيد عبد الله الجزائري (المتوفى: 1173 هـ)، ونقلها المحدث النوري في «مستدرك الوسائل». ومع ذلك، قيل إن انتسابها إلى الإمام السجاد (ع) محل شك بسبب خلو المصادر القديمة منها وكونها رواية مُرسلة،قالب:يادداشت وأن أصلها يعود إلى النصوص العرفانية الصوفية.[١١]
تقييم الاعتبار
قبل بعض الباحثين، مثل السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، انتسابها إلى الإمام السجاد (ع)،[١٢] واعتبر آية الله جوادي آملي متن الرواية «قويًّا ومفيدًا» رغم الشك في سندها،[١٣] وفي المقابل، يرى محمدي ري شهري أن محتواها عرفاني ولا يصح نسبته إلى أهل البيت، مرجحًا أنها مقولة صوفية نُسبت لاحقًا إلى الإمام السجاد (ع).[١٤]
يرى بعض الباحثين أن شخصية «الشبلي» في هذه الرواية لا يمكن أن تكون هي نفسها «أبو بكر الشبلي» الصوفي البغدادي من القرن الرابع؛ لأنه عاش بعد الإمام السجاد (ع) بقرنين،[١٥] وبناءً على ذلك، احتملوا أن اسم الشبلي في هذه الرواية هو تحريف لاسم آخر (مثل شيبة بن نعامة) من أصحاب الإمام السجاد (ع).[١٦]
توجد في النصوص الصوفية القديمة وآثار بعض كتّاب أهل السنة روايات ذات هيكل مشابه لـ «حديث الشبلي»، حيث يحاور أبو بكر الشبلي الآخرين حول أسرار ومعاني الحج. وتعد أقدم النماذج في «تهذيب الأسرار» لأبي سعد الخركوشي (ت 407 هـ) و«حقائق التفسير» لأبي عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ)، كما نقلت مصادر أخرى روايات مشابهة لها.[١٧] ويمكن العثور على نفس المضمون في المصادر الفارسية مثل «كشف المحجوب»[١٨] وأشعار ناصر خسرو.[١٩]
مضمون الحديث
يتناول حديث الشبلي أعمال الحج ومفاهيمه الأخلاقية والعرفانية، والتي تشمل بشكل عام المواضيع التالية:
أسرار الميقات ومناسكه
يتناول هذا القسم مقدمات الحج، ويشرح المفاهيم الأخلاقية والعرفانية لأعمال مثل خلع الملابس المخيطة (تطهير الظاهر والباطن)،[٢٠] وارتداء لباس الإحرام (اليقظة)،[٢١] وغسل الإحرام،[٢٢] وصلاة ما قبل الإحرام،[٢٣] والتلبية.[٢٤] وفي هذه الأقوال، فُسّر الإحرام كرمز للدخول في مرحلة جديدة من السلوك المعنوي.[٢٥]
أسرار دخول الحرم وأعمال مكة
في هذا القسم، تُدرس أعمال مثل دخول الحرم،[٢٦] والطواف،[٢٧] واستلام الحجر الأسود،[٢٨] ومقام إبراهيم،[٢٩] وشرب ماء زمزم،[٣٠] والسعي بين الصفا والمروة[٣١] من منظور عرفاني؛ فهذه الأعمال علامات على معرفة صاحب البيت[٣٢] وعهد العبودية.[٣٣]
أسرار الوقوف في المشاعر المقدسة
يتناول هذا الحديث أيضًا الوقوف في منى،[٣٤] وعرفات،[٣٥] والمشعر،[٣٦] والأعمال المتعلقة بها، حيث يُقرن كل عمل بمفهوم أخلاقي أو معرفي؛ مثل الخروج من الأنانية،[٣٧] والإيثار،[٣٨] وبدء حركة جديدة في مسار العبودية.[٣٩]
يرى البعض أن الإمام السجاد (ع) يشرح في هذا الحديث أربع مراحل لتهذيب النفس في الأخلاق الإسلامية تُعرف بـ «المرابطة»،[٤٠] وهي: المشارطة (اشتراط النفس)،[٤١] والمراقبة (الإشراف على السلوك)،[٤٢] والمحاسبة (تقييم الأعمال)،[٤٣] والمعاتبة (لوم النفس وإصلاحها).[٤٤]
متن حديث الشبلي
الهوامش
- ↑ تاريخ التصوف: سير تطور العرفان الإسلامي من البداية حتى القرن السادس الهجري، ج 1، ص 116.
- ↑ طبقات الصوفية، ج 3، ص 337.
- ↑ تاريخ بغداد، ج 16، ص 564؛ معجم الأدباء، ج 1، ص 245.
- ↑ وفيات الأعيان، ج 2، ص 273؛ المنتظم، ج 14، ص 51.
- ↑ نفحات الأنس، ص 135؛ كشف المحجوب، ج 1، ص 221.
- ↑ البحث في التصوف الإيراني، ص 154.
- ↑ تذكرة الأولياء، ج 1، ص 515-516.
- ↑ تاريخ بغداد، ج 16، ص 568؛ طبقات الصوفية، ج 1، ص 448.
- ↑ مجالس المؤمنين، ج 2، ص 32؛ روضات الجنات، ج 2، ص 231؛ ريحانة الأدب، ج 3، ص 181-182.
- ↑ طبقات الصوفية، ج 1، ص 338؛ تاريخ بغداد، ج 16، ص 572؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 276.
- ↑ الحج والعمرة في القرآن والحديث، ص 285؛ حديث الشبلي في أسرار الحج: رواية الشيعة أم حكاية الصوفية؟، ص 1.
- ↑ جهاد الإمام السجاد، ص 175.
- ↑ صهباء الصفاء، ص 35.
- ↑ الحج والعمرة في القرآن والحديث، ص 285.
- ↑ صهباء الصفاء، ص 344.
- ↑ جهاد الإمام السجاد، ص 175.
- ↑ ابن الجوزي، ابن عربي، الخوارزمي.
- ↑ كشف المحجوب، ص 474.
- ↑ ديوان ناصر خسرو، ص 265.
- ↑ دراسة أسرار الحج في حديث الشبلي من منظور الآيات والروايات، ص 44.
- ↑ المصدر السابق، ص 50.
- ↑ المصدر السابق، ص 55.
- ↑ المصدر السابق، ص 64.
- ↑ المصدر السابق، ص 67.
- ↑ المصدر السابق، ص 48.
- ↑ المصدر السابق، ص 78.
- ↑ المصدر السابق، ص 90.
- ↑ المصدر السابق، ص 94.
- ↑ المصدر السابق، ص 100.
- ↑ المصدر السابق، ص 112.
- ↑ المصدر السابق، ص 115.
- ↑ المصدر السابق، ص 85.
- ↑ المصدر السابق، ص 94.
- ↑ المصدر السابق، ص 126.
- ↑ المصدر السابق، ص 130.
- ↑ المصدر السابق، ص 155.
- ↑ المصدر السابق، ص 126.
- ↑ المصدر السابق، ص 162.
- ↑ المصدر السابق، ص 177.
- ↑ المصدر السابق، ص 35.
- ↑ المصدر السابق، ص 40.
- ↑ المصدر السابق، ص 35.
- ↑ المصدر السابق، ص 38.
- ↑ المصدر السابق، ص 41.
المصادر
- تاريخ التصوف، مير باقري فرد، سيد علي أصغر، دهباشي، مهدي، طهران-إيران، سمت، 1392 ش.
- طبقات الصوفية، الأنصاري، عبد الله بن محمد، طهران-إيران، توس، 1362 ش.
- تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، بيروت-لبنان، دار الكتب العلمية، 1997 م.
- وفيات الأعيان، ابن خلكان، أحمد بن محمد، بيروت-لبنان، دار الفكر، بلا تاريخ.
- نفحات الأنس، جامي، عبد الرحمن بن أحمد، كلكتا-الهند، بلا ناشر، بلا تاريخ.
- كشف المحجوب، الهجويري، علي بن عثمان، طهران-إيران، سروش، 1383 ش.
- البحث في تصوف إيران، زرين كوب، عبد الحسين، طهران-إيران، أمير كبير، 1403 ش.
- تذكرة الأولياء، عطار النيشابوري، فريد الدين، طهران-إيران، سخن، بلا تاريخ.
- مجالس المؤمنين، التستري، نور الله بن شريف الدين، طهران-إيران، إسلامية، 1377 ش.
- روضات الجنات، الخوانساري، سيد محمد باقر، قم-إيران، إسماعيليان، 1390 ش.
- ريحانة الأدب، المدرس، محمد علي، قم-إيران، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، 1395 ش.
- مستدرك الوسائل، النوري، حسين بن محمد تقي، بيروت-لبنان، آل البيت، 1987 م.
- جهاد الإمام السجاد، الحسيني الجلالي الحائري، سيد محمد رضا، قم-إيران، دار الحديث، 1431 ق.
- صهباء الصفاء، جوادي آملي، عبد الله، طهران-إيران، مشعر، 1382 ش.
- الحج والعمرة في القرآن والحديث، محمدي ري شهري، محمد، قم-إيران، دار الحديث، 1386 ش.
- حديث الشِبلي في أسرار الحج في الرواية الشيعية أم حكاية الصوفية؟، خامة يار، أحمد، طهران-إيران، فصلية «پژوهشنامه حج و زيارت» (دورية دراسات الحج والزيارة)، المجلد 6، العدد 1، 1400 ش.
- ديوان ناصر خسرو، القبادياني، ناصر خسرو، طهران-إيران، مركز بحوث علوم الحاسوب الإسلامية، بلا تاريخ.
- دراسة أسرار الحج في حديث الشِبلي من منظور الآيات والروايات، الحسيني، داوود، طهران-إيران، مشعر، 1400 ش.